يتم تشخيص مئات الآلاف من الأطفال والمراهقين حول العالم بالسرطان كل عام. ووفقًا للوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC)، تم تشخيص أكثر من 275,000 طفل وشاب تتراوح أعمارهم بين 0 و19 عامًا بالسرطان حول العالم خلال عام 2024.
وبفضل التطورات الكبيرة في علاج سرطان الأطفال، تحسّنت معدلات البقاء على قيد الحياة بشكل ملحوظ خلال العقود الماضية. لكن النجاة من السرطان ليست سوى جزء من القصة. فبالنسبة إلى بعض الأطفال، قد يترك السرطان وعلاجه آثارًا طويلة الأمد على التواصل، والنطق، واللغة، والتعلّم، والقدرات المعرفية، والنمو الحركي، والتفاعل الاجتماعي.
خلال شهر التوعية بسرطان الأطفال، نود تسليط الضوء على جانب لا يحظى دائمًا بالاهتمام الكافي، وهو تأثير السرطان وعلاجه على تواصل الطفل ونموه بشكل عام، والدور الذي يمكن أن يؤديه اختصاصيو علاج النطق واللغة واختصاصيو العلاج النفس-حركي في دعم الأطفال وعائلاتهم خلال رحلة العلاج والتعافي.
يمكن للسرطان نفسه، إلى جانب العلاجات مثل العلاج الكيميائي والعلاج الإشعاعي والجراحة، أن يؤثر في دماغ الطفل وجسمه خلال مراحل النمو.
ويختلف التأثير بحسب نوع السرطان وموقعه، وعمر الطفل عند التشخيص، ونوع العلاج ومدى شدّته. ومع ذلك، قد تظهر مجموعة من التحديات، منها:
أورام الدماغ التي قد تؤثر بشكل مباشر في مناطق الدماغ المسؤولة عن فهم اللغة وإنتاجها.
سرطانات الرأس والعنق، إضافة إلى الجراحة أو العلاج الإشعاعي في هذه المناطق، والتي قد تؤثر في صوت الطفل ووضوح النطق وقدرته على البلع بأمان.
العلاج الكيميائي، وخصوصًا عندما يشمل الجهاز العصبي المركزي، قد يرتبط بصعوبات في الذاكرة والانتباه وسرعة معالجة المعلومات والوظائف التنفيذية. ويُشار أحيانًا إلى هذه التغيرات المعرفية بمصطلح “الضباب الذهني المرتبط بالعلاج الكيميائي” أو “Chemo Brain”.
الإقامة الطويلة في المستشفى قد تقلّل من فرص الطفل الصغير في التعرّض للمحادثات اليومية والتفاعل الاجتماعي واللعب، وهي جميعها عناصر أساسية في تطور اللغة والتواصل في السنوات الأولى.
وتشير الأبحاث أيضًا إلى أن المهارات اللغوية الأكثر تعقيدًا قد تكون أكثر عرضة للتأثر، ومنها فهم النكات والتعابير الاصطلاحية واللغة المجازية والمعاني غير المباشرة وغيرها من أشكال التواصل غير الحرفي.
ومن المهم الانتباه إلى أن بعض الصعوبات المعرفية وصعوبات التواصل قد لا تظهر مباشرة بعد العلاج. فقد تظهر بعد سنوات، خصوصًا مع تقدّم الطفل في العمر وازدياد المتطلبات اللغوية والاجتماعية والأكاديمية.
لهذا السبب، تُعد المتابعة المستمرة للتواصل والنمو بعد علاج سرطان الأطفال مهمة، بدلًا من الاعتماد فقط على تقييم واحد بعد انتهاء العلاج.
يمكن أن تختلف آثار سرطان الأطفال بحسب المرحلة العمرية والنمائية للطفل.
قد يعاني الأطفال الصغار من تأخر في الوصول إلى مراحل تطور النطق واللغة المتوقعة. كما قد تلاحظ العائلة تراجعًا في بعض المهارات التي كان الطفل قد اكتسبها سابقًا، مثل استخدام المرحاض، إلى جانب تغيّرات في السلوك أو النوم أو المزاج.
وتكتسب التغيّرات السلوكية أهمية خاصة في هذه المرحلة، لأن الطفل الصغير قد لا يمتلك بعد المهارات اللغوية التي تمكّنه من التعبير عن الخوف أو الانزعاج أو الإحباط أو الضيق.
قد يواجه الأطفال في سن المدرسة صعوبات في الانتباه والذاكرة والوظائف التنفيذية وسرعة معالجة المعلومات، وخصوصًا عند عودتهم إلى المدرسة.
وقد يلاحظ الأهل والمعلمون أن الطفل:
يجد صعوبة في اتباع التعليمات.
يحتاج إلى وقت أطول لإنجاز الواجبات.
يواجه صعوبة في تذكّر المعلومات.
يجد صعوبة في التركيز.
يواجه تحديات أكبر في تنفيذ المهام التي تتطلب عدة خطوات.
وقد تؤثر هذه الصعوبات في التعلّم، وكذلك في ثقة الطفل بنفسه داخل البيئة المدرسية.
بالنسبة إلى المراهقين، قد تصبح آثار سرطان الأطفال أكثر وضوحًا في حياتهم الاجتماعية.
فالغياب عن الأصدقاء لفترات طويلة، والتغيرات في المظهر، وطول فترة العلاج، والانقطاع عن المدرسة، كلها عوامل قد تؤثر في الثقة بالنفس والهوية والعلاقات مع الأقران.
وقد يصبح بعض المراهقين مرتاحين جدًا في التواصل مع البالغين نتيجة الوقت الطويل الذي أمضوه مع الأطباء والممرضين والمعالجين وغيرهم من المتخصصين في الرعاية الصحية، في حين قد يجدون صعوبة أكبر في إعادة بناء علاقاتهم مع أقرانهم.
وقد تستمر التأثيرات الأكاديمية أيضًا مع مرور الوقت. فالغياب المطوّل عن المدرسة والتغيرات المعرفية المرتبطة بالعلاج قد يؤثران في التقدم والتحصيل الدراسي، ما يجعل المتابعة المستمرة وتوفير الدعم المدرسي المناسب أمرين مهمين.
التواصل واللغة ليسا سوى جزء من الصورة النمائية الكاملة.
فقد يؤثر السرطان وعلاجه أيضًا في:
المهارات الحركية والتناسق الحركي.
الذاكرة.
الانتباه.
التخطيط والتنظيم.
الوظائف التنفيذية.
الأداء الأكاديمي.
الصحة النفسية والعاطفية.
التفاعل الاجتماعي.
كما قد يعاني الأطفال من القلق أو انخفاض تقدير الذات أو الانسحاب من التفاعل مع أقرانهم. وقد تزيد هذه التحديات النفسية والعاطفية بدورها من الصعوبات التي يواجهها الطفل في التواصل والتعلّم والمشاركة الاجتماعية والحياة اليومية.
لذلك، غالبًا ما يتطلب دعم الطفل بعد علاج السرطان مقاربة متعددة التخصصات تأخذ في الاعتبار التواصل والقدرات المعرفية والنمو الحركي والجوانب الاجتماعية والعاطفية معًا.
يمكن لاختصاصيي علاج النطق واللغة واختصاصيي العلاج النفس-حركي أن يؤدوا دورًا مهمًا في دعم الأطفال خلال علاج السرطان وبعده.
وبحسب احتياجات كل طفل، قد يركّز العلاج على المجالات التالية:
يمكن للعلاج أن يدعم المفردات والفهم والتعبير اللفظي، بالإضافة إلى المهارات اللغوية الأكثر تعقيدًا التي يحتاج إليها الطفل في المدرسة والعلاقات والتواصل اليومي.
قد يحتاج الأطفال الذين يؤثر علاجهم في الفم أو الحلق أو الأحبال الصوتية أو الأعضاء المرتبطة بها إلى دعم لتحسين وضوح النطق أو جودة الصوت.
قد يواجه بعض الأطفال صعوبات في البلع بأمان أو في الحفاظ على تغذية كافية.
يمكن لعلاج النطق واللغة أن يدعم مهارات الأكل والبلع من خلال التمارين المناسبة، واستراتيجيات تعديل قوام الطعام، وتقنيات البلع الآمن وفقًا لاحتياجات كل طفل.
يمكن للأنشطة العلاجية المنظمة والقائمة على اللعب أن تساعد الأطفال على تطوير الانتباه والذاكرة والتخطيط والتنظيم وغيرها من مهارات الوظائف التنفيذية.
بعد فترات طويلة من العلاج أو العزلة، قد يحتاج بعض الأطفال إلى دعم إضافي لإعادة التواصل مع أقرانهم، والمشاركة في المحادثات، واستعادة الثقة في التفاعلات الاجتماعية اليومية.
يمكن أن يساهم التدخل المبكر والمصمم وفق احتياجات كل طفل، بالتنسيق مع فريق علاج الأورام والفريق الطبي، في دعم التعافي ومساعدة الطفل على مواصلة تقدمه النمائي.
ونظرًا إلى أن بعض آثار علاج سرطان الأطفال قد تظهر أو تصبح أكثر وضوحًا بعد سنوات، فقد تبقى المتابعة المستمرة مهمة حتى عندما يبدو أن الطفل يتطور بشكل جيد في البداية.
غالبًا ما يواجه الأهل مشاعر الصدمة والحزن والقلق والإرهاق، بينما يحاولون في الوقت نفسه توفير الاستقرار والأمان لطفلهم.
ويمكن لبعض الخطوات أن تساعد في دعم تواصل الطفل ونموه وصحته النفسية والعاطفية خلال هذه المرحلة.
يستفيد الأطفال عادةً من الحصول على معلومات صادقة تُقدَّم لهم بلغة تتناسب مع أعمارهم ومستوى فهمهم، حتى عندما تكون المعلومات صعبة.
حتى النسخ البسيطة أو المعدّلة من الروتين اليومي المعتاد للطفل يمكن أن تمنحه شعورًا بالراحة والاستقرار، وأن تدعم نموه الصحي خلال فترة العلاج.
مساعدة الطفل على البقاء على تواصل مع الأصدقاء والأشقاء والمدرسة والأنشطة المعتادة، حتى عبر الوسائل الافتراضية عند الحاجة، يمكن أن تدعم صحته الاجتماعية والعاطفية.
يحتاج مقدمو الرعاية بدورهم إلى الدعم. ويمكن أن يكون لتشجيع الأهل على الاستعانة بالعائلة والأصدقاء وشبكات الدعم والأخصائيين النفسيين والأخصائيين الاجتماعيين وغيرهم من المتخصصين عند الحاجة أثر إيجابي على الأسرة بأكملها.
يمكن أن يؤثر سرطان الأطفال في جوانب تتجاوز الصحة الجسدية. فبالنسبة إلى بعض الأطفال، قد تمتد آثاره إلى النطق واللغة والبلع والقدرات المعرفية والنمو الحركي والتعلّم والصحة النفسية والعاطفية والتواصل الاجتماعي.
وقد تظهر هذه التحديات خلال العلاج، أو بعد انتهائه، أو حتى بعد سنوات مع ازدياد المتطلبات النمائية والأكاديمية.
وبصفتنا مركزًا يعمل مع الأطفال في مجالات التواصل والنمو والعلاج النفس-حركي، يمكننا أن نكون جزءًا من فريق الرعاية متعدد التخصصات الذي يساند الأطفال وعائلاتهم خلال هذه الرحلة.
ومن خلال التقييم الفردي والعلاج والمتابعة المستمرة والتعاون مع الفريق الطبي للطفل، يمكن لاختصاصيي علاج النطق واللغة واختصاصيي العلاج النفس-حركي مساعدة الأطفال على تعزيز المهارات التي يحتاجون إليها للتواصل والتعلّم والمشاركة والعودة إلى حياتهم اليومية بثقة أكبر.
إعداد: جوفانا الحويك
مراجعة: رين بو عيسى غفري
الوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC) — شهر التوعية بسرطان الأطفال 2026
Communication during childhood cancer: Systematic review of patient perspectives — PubMed
National Cancer Institute — Support for Families: Childhood Cancer
Development of Communication and Language Skills in Children with Hematological–Oncological Disorders — PMC
speechtherapy.org — The Role of Speech Therapy in Treating Children with Cancer
Mayo Clinic News Network — Supporting Your Child’s Development After a Cancer Diagnosis
“Chemobrain” in childhood cancer survivors — the impact on social, academic, and daily living skills — PMC
Head and Neck Cancer Australia — Speech, Voice and Swallowing
Coça et al. (2020) — Incidence and risk factors of communication, swallowing, and orofacial myofunctional disorders in children and adolescents with cancer